أجهزة ذكيةتصويرذكاء اصطناعي

كاميرات الهواتف الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تغيّر الطريقة التي نرى بها الواقع

تستخدم كاميرات الهواتف الذكية حاليا الذكاءَ الاصطناعي لتحويل الصور التي نلتقطها بالكامل، ويمكنها أن تغيّر الطريقة التي نرى بها الواقع.

بقلم: دونا لو  Donna Lu

ترجمة: آية علي

لم يسبق لعبارة «الكاميرا لا تكذب أبداً» أن كانت خاطئة بقدر ما هي. فالهواتف الذكية المزودة بالذكاء الاصطناعي تُجري تعديلات مباشرة لإنشاء صور لا يمكن للكاميرات التقليدية إنشاؤها. وتُغيّر هذه التحسينات، المعروفة بالتصوير الفوتوغرافي الحاسوبي Computational photography، الطريقة التي نرى بها العالم.

كان هدف التصوير الرقمي ذات يوم يتمثل بالتقاط صورة مقاربة لما تراه أعيننا. ويقول نيل جوشي Neel Joshi الذي يعمل على رؤية الحاسوب Computer vision في معهد أبحاث مايكروسوفت Microsoft Research: «لطالما اشتملت جميع الكاميرات الرقمية، بما في ذلك الموجودة في الهواتف الذكية، على نوع من المعالجة من أجل تعديل التباين وتوازن اللون».

يتجاوز  التصوير الفوتوغرافي الحاسوبي هذا بكثير، فيجعل البشرة أنعم، والألوان أغنى، والصور أقل ضبابية، كل ذلك بطريقة آلية. إنّه قادرٌ حتى على تحويل الليل إلى نهار.

التقط صورة شخصية ويمكن لهاتف Meitu أن يزيل تلقائيّاً الهالات السوداء ويوسّع عينيك وينحّف فكّك

ربّما تبدو هذه الصّور أفضل، لكنّها تثير مخاوف بشأن الأصالة والثقة في عصر المعلومات القابلة للتزييف، ويقول راميش راسكار Ramesh Raskar، من مختبر الإعلام التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT Media Lab: «لن نحصل على الصور في المستقبل من خلال التسجيل، بل من خلال الحوسبة».

تُوجّه الكاميراتُ الرقميةُ Digital cameras الضوءَ عبر عدسة ليسقط على مُستشعر Sensor؛ مما يحوّل الضوء إلى إشارات كهربائية. بعد ذلك يُترجِم برنامج المعالجة هذه الإشارات إلى صور. وكلّما زادت جودة العدسة وحجم المستشعر، كانت الصورة أجمل، وهذا ما يجعل المحترفين يفضّلون الكاميرات الرقمية ذات العدسة الأحادية العاكسة (DSLR) على الهواتف الذكية.

ركّزت جهود التصوير الفوتوغرافي الحاسوبي المبكرة على تحسين هذه الكاميرات الاحترافية، كما يقول راسكار. ولكن مع تفوق مبيعات الهواتف الذكية على الكاميرات المستقلة، صُرفت المزيد من الجهود في استخدام التحسينات الرقمية للتعويض عن رداءة صور الهاتف. وحاليا، تلحق الهواتف الذكية بركب منافسيها، بل تتفوّق عليهم، ويعلّق راسكار على هذا قائلاً: «انسَ محاولة محاكاة كاميرات DSLR». إذ يمكن للهواتف الذكية الآن تزييف الإضاءة مثلاً. ويتابع قائلاً: «يمكننا أن نفعل أكثر من ذلك بكثير لدرجة تجعلنا لا نعتبر الأمر تصويراً فوتوغرافيّاً أصلاً».

منحت شركات الهواتف كاميراتها عدسات متعددة وأجهزة Hardware أكثر تطوراً. ففي مؤتمر الهواتف المحمولة العالمي Mobile World Congress الذي عُقد ببرشلونة في فبراير 2019، أطلقت شركة نوكيا هاتفها 9 PureView المزود بخمس كاميرات قادرة على إنتاج صور تصل دقّتها إلى 240 ميغابكسل. يبدو أيضاً أن هاتف شركة هواوي P30 Pro، يحتوي على خاصية تكبير قادرة على تصوير القمر بالتفصيل.

وتلتقط الكثير من كاميرات الهواتف الذكية المزودة بنظام الذكاء الاصطناعي مجموعة متتالية من الصور Bursts باستخدام عدسات متعددة لالتقاط مجموعة متنوّعة من المعلومات. بعد ذلك يمكن لخوارزميّات الذكاء الاصطناعي الجمعُ بين أفضل هذه الصور، أو إنشاء صورة جديدة لم تلتقطها أي كاميرا، مثل صورة ذات ميزة (تبئير) Focus قابلٍ للضبط.

وتُنشئ بعضها صوراً ذات «نطاق ديناميكي مرتفع» High dynamic range من السطوع، وذلك من خلال دمج المساحات الداكنة والفاتحة من صور مختلفة مثلاً. ويسمح لك هذا بتصوير مشهد خارجي يتضمّن سماءً زرقاء في الخلفية بدلاً من سماءٍ بيضاء مشوّشة.

الرؤية الليلية Night Vision

يمكن للهواتف الذكية أيضًا محاكاة التصوير الفوتوغرافي بالتعريض الطويل Long-exposure، الذي يُفتح فيه غالق Shutter الكاميرا لفترة طويلة للسماح بدخول المزيد من الإضاءة.

ومن الأمثلة الجيّدة على ذلك الوضع الليلي Night Mode في الهواتف الذكية من هواوي والرؤية الليلية Night Sight في هواتف بيكسل Pixel من غوغل، إذ تلتقط هذه الهواتف سلسلة من الصور المتعددة لإنتاج صور واضحة ومشرقة عند التقاطها في أجواء خافتة دون الحاجة إلى تشغيل الضوء الومضي (الفلاش). وتحتوي خاصية الرؤية الليلية أيضاً على خوارزميات تأخذ الإضاءة الاصطناعية بالاعتبار، بحيث تقدّر اللون الحقيقي لكل من الإضاءة والأشياء الموجودة في المشهد، وتُصحّحه وفقًا لذلك.

كان التقاط الصور في العادة بمثابة عملية موازنة: إذا سمحتَ بدخول ضوءٍ أقلّ من اللازم من خلال الغالق؛ فستحصل على صور ضبابية. لكن وقت التعريض الطويل يتطلب الثبات، وهو أمر صعب على نحو خاص مع الهاتف الذكي المحمول باليد، لأنّه ينتج من حركة الكاميرا أو ما هو موجود في الإطار تخطيط في الأشياء يعرف بضبابية الحركة Motion blur.

ولتقليل الضبابية تستخدم الرؤية الليلية مقاييس التسارع Accelerometers لتتبع كل من الحركة في المشهد وحركة يديك قبل التقاط الصورة، وضبط سرعة غالق الكاميرا وفقا لذلك. وإذا اكتشَفَتْ أن الهاتف مستقر، كأَن يكون على حاملٍ ثلاثي القوائم، فإنّها تستخدم التعريض الطويل. وللتعويض عن الحركة، فإنّها تأخذ مجموعة من الصور الأغمق بسرعة أكبر وتدمجها معا للحصول على نتيجة أوضح. قد تبدو الصور مختلفة بشكل مذهل عن الواقع، إذ يمكن أن تظهر المشاهد المسائية مُضاءة بنور النهار. 

إذا نشأ جيل كامل لا يثق بالصور أو مقاطع الفيديو، فماذا بقي لنا؟

إعطاء الكاميرات فكرة عما تنظر إليه أمرٌ أساسي. ويمكن لنظام معالجة الصور في هواتف هواوي الذكية، المعروف بماستر أيه آي Master AI، التعرف على أكثر من 1500 كائن مختلف، وذلك على حد قول بيتر غودن Peter Gauden المتحدث باسم الشركة. ويتيح هذا الأمر للنظام إنشاء تأثير «بوكيه» Bokeh مثلاً، الذي ينصب التركيز فيه على الشيء الذي في المقدمة لإبرازه، في حين يجعل الخلفية ضبابيّة.

كذلك تعمل كاميرات هواوي تلقائيّاً على تقسيم الصورة إلى مكوّنات، وتعديل الألوان والتعرض والتباين لكل عنصر. فعندما يكتشف النظامُ مساحاتٍ خضراء مثلاً، فإنّه يعمل على زيادة التشبّع إلى أقصى درجة جمالية مُرضية حسب اعتقاده.

كان التزييف والتلاعب بالصور موجودين قبل التصوير الرقمي، لكن تزايد شعبية كاميرات التحرير الفوري يثير مخاوف بشأن الأصالة، لا سيما أن الصور الفوتوغرافية تُستخدم في التقارير الإخبارية أو كدليلٍ في المحاكم القانونية.

وتقول ميشيل هيننغ Michelle Henning، وهي مُؤرِّخة ثقافية من جامعة ويست لندن University of West London: «لكل شخص مصلحة مختلفة في مصداقية صورته اعتماداً على السياق العامل ضمنه»، لكنّها تشير إلى أن هذا ما كان عليه الحال دائماً، وتضيف قائلة: «لم يسبق للتصوير الفوتوغرافي قطُّ تمثيل العالم كما نراه».

ومع ذلك، يبدو أن هناك تحولاً حديثاً، ويقول راسكار: «إذا نشأ جيلٌ كامل لا يثق بالصور ومقاطع الفيديو، فماذا بقي لنا؟» ويضيف أنّ وضع العلامات المائية الرقمية Digital watermarking والتشفير السحابي Cloud-based encryption أمران يمكن توظيفهما، وكذلك تقنية بلوك تشين (سلسلة الكُتل) Blockchain التي تعتمد عليها البتكوين Bitcoin.

تُقدّم تقنيات تحرير الصور كذلك إغراءً اجتماعيا بالاستمرار بتجميل صورة المرء. وتعلّق هيننغ على هذا قائلة: «لقد صار تداول الوجوه والصور، عادةً بين الشباب، ضرورةً من ضروريّات الحياة المُعاصرة».

أطلقت الشركة الصينية ميتو Meitu، التي تشتهر بتطبيقات «تجميل» الصور التي يستخدمها نحو 350 مليون مستخدم شهري نشِط، مؤخرًا ميزة لتحرير الصور مدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويمكن للبرنامج الموجود على تطبيقاتها وهواتفها تحليل الوجوه وتعديلها مباشرة.

التقِط صورة شخصية بهاتف من ميتو وسيتمكن الهاتف من تحديد معالم الوجه وإنشاء شبكة افتراضية على وجهك، وتقسيم البشرة إلى أجزاء حتى يتمكن من تعديل الملامح وفقًا لذلك، مثل إزالة العيوب كالهالات السوداء والحبوب، فيعطي بشرتك توهجًا ناعمًا متجانسًا. كما يتيح لك تزييف الشبكة قولبة وجهك، فيمنحه أبعاداً جمالية أو يوسّع عينيك أو ينحّف فكّك.

ربما تفعل هذه التعديلات ما هو أكثر من مجرد تجميل صفحتك الرئيسية على إنستغرام. ويقول تيجيون إيشوTijion Esho، وهو طبيب يجري عمليات تجميلية في لندن، إنّه شهد زيادة في عدد الأشخاص الذين يطلبون علاجات مبنية على صور فوتوغرافية مُعدّلة لأنفسهم.

ويُعلّق إيشو قائلاً: «كان الناس يولدون خطوطاً فكّية منحوتة جدا، وهي خطوط لا يمكن عملها (في الواقع)؛ لأنه سيكون من المستحيل تحريك رأسك بوجود هذا المستوى من التحديد في الرقبة. وفي بعض الحالات أراد الناس توسيع أعينهم بالطريقة نفسها التي تفعلها بعض الفلاتر».

جمال غير واقعي

يعتقد إيشو أن الكاميرات التي تحرّر الصور مباشرة قد تؤدي إلى معايير جمالية غير واقعية، خاصةً إذا كان الشخص الذي يستخدم الهاتف لا يعرف ما الذي يفعله الهاتف وراء الكواليس.

لكن مديرة مركز أبحاث علم النفس الإعلامي Media Psychology Research Center في كاليفورنيا، باميلا روتليدج Pamela Rutledge، غير متأكدة تماماً من ذلك، وتقول: «إنّ التقاط الجمال ومشاركته ليس بالظاهرة الجديدة». وتضيف أنّه ليس ضروريا أن تتسبّب الصور الأجمل في جعل الأفراد يشعرون بحال أسوأ تجاه مظهرهم في الحياة الواقعية.

وجدت دراسة سابقة أن الأشخاص يحرّرون صورهم الشخصية بدافع رغبتهم في الحصول على ظهور مثالي على الإنترنت، وليس بدافع استيائهم من مظهرهم. لكنّ دراسة أجريت عام 2016 على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة خَلُصت إلى أن للمقارنة الاجتماعية القائمة على المظهر تأثيرا سلبيا في صورة الجسم، وتزداد قوة هذا التأثير في النساء خصوصاً، وما يدعو إلى القلق هنا هو تضاعف هذا التأثير عندما تصبح الصور غير الواقعية في كل مكان.

سيشهد العقد المقبل تطوّرات كبيرة في التصوير الفوتوغرافي الحاسوبي كما يقول راسكار. فإلى جانب الصور ذات المظهر الأفضل التي يسهل التقاطها، يُعتقد أنه سيكون هناك تحول نحو الصور التي تلتقط المشاعر وجوهر المشهد، فيقول: «أعتقد أن الناس يرغبون حقّاً في إنشاء تجارب سحرية، ولن تحدث هذه التجارب عن طريق تسجيل الصورة فقط، بل من خلال الحوسبة».

أمور ذكيّة أخرى تستطيع كاميرا هاتفك فعلها

لا تقتصر وظيفة الكاميرات الذكية على جعل صورك تبدو أجمل فحسب، بل يمكنها أداء الكثير من الوظائف الأخرى المفيدة جدا.

تتيح لك ميزة الكاميرا من مترجم غوغل Google Translate توجيه هاتفك إلى لوحة في بلد أجنبي أو كلمات في كتاب، فينتج من ذلك ظهور ترجمة للنص بلغتك الأم على الشاشة.

يكتشف تطبيق بيكس Pix من مايكروسوفت Microsoft ما إذا كنت تلتقط صورة لسبورة بيضاء أو لإيصال ورقي، ويعمل تلقائيّاً على تقويم الصورة وقصّها على النص الموجود بداخلها. ويمكن أيضاً لتطبيق إكسل Excel التابع للشركة تصوير جداول البيانات المطبوعة ووضعها تلقائيّاً في جدول بيانات؛ مما يلغي الحاجة إلى عملية إدخال البيانات المملة.

يحتوي المساعد الافتراضي بيكسبي Bixby من سامسونغ على عدّاد للسعرات الحرارية متضمَّن في كاميرته. وَجِّه الكاميرا إلى ما هو موجود في طبقك، وسيعطيك تقديرا لمحتوى الطاقة في الطعام الموجود فيه.

يتيح لك تطبيق ميك آب بلس MakeupPlus من ميتو Meitu تجربة أكثر من 3000 منتج من منتجات التجميل مباشرة، ثم طلب شرائها بالفعل.

المصدر
New Scientist
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى